تأملات في ديوان " تَبَاهَيْ " ..  لمحمد الحفظي


بقلم الأستاذ / إبراهيم محمود أبوعجمية

 


لم أكن في يوم من الأيام أشد رغبة في الكتابة مني الآن حيث أنهيت قراءة ديوان " تَبَاهَيْ "
للشاعر محمد عبدالرحمن الحفظي .. لا أنكر أني أعجبت بدواوينه السابقة منذ نشرت قصائده الأولى في " قصائد من الجبل " مروراً بـ لحظة ياحلم ، وأولى تجاوزات لا ، وغبار الجسد الباقي ، واشتعال الرّمَق .. وربما أن تثاقلي وكسلي المزمن ومحاولاتي المستمرة في البعد عن الكتابة هي السبب في هذا الذي حدث ، .. لقد نضج الشاعر محمد الحفظي بما فيه الكفاية وعلى الشعراء الآخرين وعشاق الشعر أن يصغوا جيداً لما يأتي به .
يقول في كلمة الإهداء : إن الشعر يسبقني .. وينزفني .. ويشتاق ، وفي " بداية "من النثر الفني يقول : سطرتُ على تواجديَ احتراق لهفتي .. وبكيت بهذا القلب .. أي انطلاقة هذه ..؟؟
لا أريد أن أتابع قبل قبل التعريف بالديوان فهو بعنوان " تـَـبَاهَيْ " من القطع المتوسط ويحتوي على إحدى وثلاثين قصيدة بما فيها الإهداء ويقع في 128 صفحة .
من عناوين قصائده: الشهب ، وموئل الشمس ، وهواجس الألفة ، ومراؤون ، وأيها القادم ، ومن أين مرّ العمر ، وأبواب ، والمطر ، وأبها 1425 .. وعناوين أخرى مثيرة .
لا أريد أن ينتظر مني القارىء الكريم الكثير ، فقد طوّفت في المدارس النقدية كثيراً ، خاصة تلك التي وردت من الغرب ومن الشرق فرأيت أنها تصدر ايدلوجية معينة ربما تكون مقبولة لديهم لظروف مروا بها .. وبنوا على هذه الظروف نظرياتهم التي تسابق البعض على ترجمتها ونشرها ، لا أقول دون تبصر ولكن ربما لشيء في نفس يعقوب .
ما علينا .. فهم يجيدون كثيراً في الترويج لمثل هذه النظريات وفي النهاية ينسحبون ويعلنون تراجعهم على الملأ ، كما لو أنهم لم يشغلوا الشبيبة يوما بأفكارهم المستوردة هذه ، وكنت دائماً أحلّق وأهيم ثم أعود راضياً إلى نقادنا الأفاضل الذين أرسوا قواعد النقد فيما سلف ، فأرى أن الشعر لايزال هو الشعر وأن النثر لايزال هو النثر ، وما انطبق على معاييره في الماضي هو ما ينطبق على معاييره في الحاضر .. فالصراع بين القديم والحديث لايزال كما هو والدعوة إلى التجديد لاتزال كما هي والعوة إلى الإبداع في رسم الصور والأخيلة لاتزال كما هي ، والمواءمة بين المعنى والمبنى لا تزال كما هي .. فلماذا نركب صعباً ونختار وعراً ؟؟
 

يقول في قصيدة الشاعر :
دانت لك الروح .. ياسيد العطر
هل تعرف الآن
أن الشذى يعبر الاحتضار
وأن الخرافات تمتص منك اليقين .
 

وينتمي الشاعر بشغف إلى قضايا أمته فيقول في " الشهادة " :
يا سيد الماضين نحو الموت
أنت وصيةٌ مرّت إلى الباقين .. تقتحم القلوب الدامية .
فصوّر وبكل عفوية استشهاد الطفل محمد الدرة ، وما يحمله هذا الاستشهاد بأبيات قليلة خرجت من أعماق قلبه لتدخل أفئدتنا دون استئذان وتضيف إلى الجرح جراحاً ، وإلى شعورنا بالضعة والهوان ذلاً ومسكنة .. ولكنه يثأر ولو بالكلمات :
وأنت الميْت
تهزمهم وأنت الطفل
تملأ سيلهم حجراً
وأنت الأعزل المصلوب في رعب البكاء المر .
ويرسم الشاعر في نهاية القصيدة واقعاً مراً يزخر بالمباشرة :
يا سيد الماضين نحو الموت .. تفديك الدماء
ما أنت إلا صورة أخرى لآلاف الصور
ما أنت إلا الطعنة المليار من سيل الدماء
ومن تنامي الاحتضار .
 

واللافت أن الشاعر الحفظي دائم الجلد لذاته كما لو أنه يعشق العذاب ويلذذ به
يقول في قصيدة " الشهب " :
كُوينا بهـذا الصبر حتى أشاخـنا وذبْـنـا من التـذكــار حتى تمنـّعـا
وطفنا وما في القلب إلا جراحنا وعدنا إلى الأنقاض نشتاق منبعا
وفي " هواجس الألفة " :
ياليتني في هــجــرة من دمي            أشحتُ بالأضـلـع ما استوقدا
فرشتـُه همّا ً يجــول المـــدى            وخلـْـتــه الفجر الذي مابـــدا
ولو توجّست متاهاتـــــــــــه            ما استطرد القلب ولا جـــددا
 

وفي " مدارات الجفاف " :
غربـة الموئل والعطر المثار ..
هل تبدّى الزهو في خاصرة ملأى بأوراق الجفاف
الخطى تفتَرُّ ..
والريح صفير مثقل تقتاته الصحراء
أوجاع تحف القلب
موال يشظيه الوقوف
هل توارى البحر من بعدي .. وكان الملح يدنيني إلى شقِّ الظمأ .
 

وفي " عرافة القوافي " التي يهديها للمبدعين أحمد آل مريع و أحمد التيهاني يقول :
للأمانــة أسرارها ..
والصباحات يا سامر الحي
أذكت تواشيحها .. فاستكان الجوى
...
ثم أوشك جلّ المنادين .. أن يعلنوا هيبة الصمت ..
...
آذنـْتَ أن ترْبُت الكفَّ
.. خالجك العمر .. وهو انتشاء لما كان
سيّان ..
بين السهام التي تقسم القوس .. والشعر في زمن الآفلين .
ومنها :
وما البيد إلا طريق المحبين نحو هجير السفر
ونحو استلاب الحنايا .
.. أناديك من شاطىء المدّ .
 

وفي قصيدة " مراؤون " يقول :
جئتك اليوم من كفن المدّعين لأمواتهم ..
أستهلُّ الفضيلة .. أنشقُّ من روحهم .. والزرافات تنهال كالأمنيات .
ومنها :
هاتهم واحداً
هاتهم آخراً .. لو يساقون ما استنطقوا لبّهم .
ويوغل في الغربة والحزن في " أيها القادم " :
حينما يمطر حزني في ترانيم القصيدة ْ
حينما يشتعل الوقـْد على خافق آلامي
ويزداد احتراقاً في البواكير الوليدة ْ ..
ويصف نفسه :
أنا من كنت سطوراً شفـّها اليَـمُّ زلالاً
واحتواها في ضنى الظلمة موالاً
يقص العمر مجدولاً على موت العناقيد
ويستلّ الحكايا من عظام الحلم .. والفورة .. والروح البعيدة
وبعد أن يستطرد في وصف نفسه بأنه .. الواقف الغارق في قبر المسافات .. وبأنه ...يغني للمساء الآفل الظل .. وللوعد المسجّى .
يتوسل للقادم بألا يغرس على كفيه عويل العجز ويقول له :
أيها القادم مات الليل في عيني
فرفقاً بانتحالي صورة الحي الذي يحفره الفجر
ليحتال على الروح .

ويقول في " الحضور " :
غير أن النهايات تسرقنا من تمام الحضور .
ويظل يندب حظه .. يقول في " المطر " :
مضيتُ وما مضى ألمي         وعدتُ وما صفا الكــدرُ
تجوب شفاهي الكلمات         تزرعـنـي وتـنـــــدثـــرُ
تحطّم أضلعي الآهـــات         والأوعـــاد والحــــــذرُ
وتذبل ساعة اللقـــيـــا         فلا وجهٌ .. ولا قــمــــرُ

ويستمر هذا النزف الرائع اللذيذ .. حتى بعد أن تنتهي من معايشة قصائده .. كما لو أنه يريدك أن تكمل ما بدأه من مشاعر مختلفة وأحاسيس متباينة تصبّ كلها في خانة الروعة التي تبعث على الدفء .. وتدعو إلى الدهشة .