قصائد من الجبل"

 باقة شعرية من روضة عسير

 الأستاذ / عبدالفتاح أبو مدين

 

        كان هذا الديوان مختبئاً في أركان مكتبتي منذ ست سنوات ، ولكني عثرت عليه فجأة ، فبدا لي أن أطالعه لأجد عملاً جاداً من أعمال ناد " أبها " الأدبي ، إذ شاء القائمون عليه أن يقدموا للقارئ نماذج حية من شعر عسير ، واختاروا لها عنوان ( قصائد من الجبل ) . وقد ظهرت هذه النماذج في ديوان أنيق الطبع ، جميل الإخراج ، وفي مقدمته اعتراف صادق ، يقول فيه كاتبه الذي لم يفصح عن اسمه الكريم " إن هؤلاء الشعراء لم يسبقهم في هذه المنطقة جيل يمهد لهم الطريق ، أو يفتح باباً أدبياً يتجاوز معه الشعراء أسباب التوقف ، وإن لم تخل الساحة من عدد من الشعراء المبدعين القدامى " .

        ولعل كاتب هذه الفقرة يريد أن يقول أن نفحات التجديد التي تهب من خلال هذه القصائد ، لم تجد أستاذاً في عسير يقوم على إنمائها ، لأن الساحة الأدبية لدينا لا تجد غير القدماء من المبدعين ، وإذن فشعراء الديوان هم أساتذة أنفسهم ، وهذا ما يحسب في رصيدهم دون نزاع ، ولكننا في عهد الصحافة والمطبعة والمذياع ، نتأثر بما يُكتب في كل مكان حتى في الصين واستراليا ، وشيء طبعي أن يكون الإعلام السعودي بوسائله الكثيرة قد ملأ عقول الشباب في عسير ، وإذن فهم محظوظون بأستذة من الرواد ، ونماذج رائعة من الشعر المعاصر ، يهتف بها المذياع ، وتسطرها الجريدة ، ويجمعها الكتّاب ، ومن يدري فقد يكون هؤلاء التلاميذ أساتذة عسير في مدى غير بعيد .

        وأنا أعتب على طابع الديوان أن يخلو من اسم الله الكريم في افتتاحيته ، ولئن جاز هذا عند من يقلدون دواوين الغرب ، فإنه لا يجوز في عهد الإسلام ومشرق النور ، وهو سهو غير مقصود ، ولكن التنبيه عليه مما يؤكد تذكره فيما يقبل من الطبعات .

        وشعراء ديوان ( قصائد من الجبل ) ستة من نوابغ عسير ، هم الأساتذة أحمد عسيري ، وعلي أحمد عسيري ، وعلي عبدالله مهدي ، ومحمد حسن غريب الألمعي ، ومحمد زايد الألمعي ،  ومحمد عبدالرحمن الحفظي ، ولكل شاعر ذاتيته الواضحة ، ونبضه الخاص ، ولا أريد أن أحمل في هذا المجال سوط الناقد المتشدد ، لأن العمل الأول يحتاج إلى التشجيع والتسديد ، ويضر به العنف والتشدد ، وما زال الرفق وسيلة الصلاح والإصلاح !

        نختار للشاعر الأول قصيدة ( الطفولة الشقية ) ، لأن تجربتها الحية ذات نبع إنساني صافي الماء ، فالطفل المسكين في مرآة أحمد عسيري يشرب النظرات ، ويجالده حديث العابرين ، رقدت على أهدابه أحلام الكوخ ، وأبوه مات في زمن الحصاد ، ووارته الأم في الثرى ، وهي من بعده لا تنام ، إذ من واجبها أن توقظ القنديل في جوف الظلام .

        يقول الشاعر على لسان الطفل اليتيم ، يخاطب من يسألـه عن نجواه :

        أنا سيدي طفل حزين

        رضعت عصافير الأسى

        أفراح عمري الماضية

        العيد يأتي ثم يرحل

        لست أدري أين سار !

        لا لعبة ألهو بها

        فألوذ في صمت الجدار

        أنا سيدي جرح كبير

        يمشي على أقدامه

        بشر أنا لو تعلمون

        لا طحلباً يكسو الغدير

        الكوخ كوني في الحياة

        ودعاء أمي في الصلاة

        أن يرزق الطفل الفقير

        المشهد مؤثر ، والعبارة موحية ، والموسيقى شجية ضارعة ، ولكن المطلع ، مطلع القصيدة لم أشر إليه لأنه يحتاج إلى تصحيح حيث يقول الشاعر ( من حافي القدمين ) فيكسر الشطر .

        واختار الشاعر الثاني ( علي عمر عسيري ) قصيدة تلتقي بالقصيدة السابقة في موضوعها ، فهي تتحدث عن طفل يتيم أيضاً ، ولكنها تختلف عن الأولى في مصاب الطفل بأمه ، إذ إن الطفل الأول كان مصاباً بفقد أبيه ، والكارثة واحدة ، فلا سعادة بغير أب وأم معاً ! والشاعر يسقط على المعاني الموجعة .. فيسوقها في نسق تصويري لاهب ، ينقل لفحه إلى القارئ فيحس بالوهج الأليم .

        يقول الشاعر ( علي أحمد عسيري ) على لسان الطفل ، مخاطباً أمه الراحلة :

        ليتني كنت لعينيك من الرمل وقاء

        ولجفنيك غطاء

        ليتني كنت لكفيك من الدود خباء

        ليتني كنت الفداء

        فأنا الميت يا أماه من غير رثاء

        عدت من رحلة شؤم وعذاب

ناعقاً في مسمعي ألف غراب وغراب

        متعباً أشكو النوى

        مفلس طاوي الوطاب !

أما المطلع فرائع حقاً بدأه العسيري بقوله :

        أحسن الله عزاءك ، أحسن الله عزاءك

        قالها الناس وما أكثر ما قالوا ! وما أقسى المقالة !

        كان شرخاً في جدار الصمت

        زلزالاً ، أزاله !

        وحرارة القصيدة الأولى .. هي حرارة القصيدة الثانية ! . أما اختلاف الخواطر فلا يعني تباعدها في شيء ، لأنها تدور في فلك واحد ، وتؤدي هدفاً واحداً ، فالقطر هو القطر ، والمحيط هو المحيط .

        وننتقل إلى الشاعرين التاليين ، علي عبدالله مهدي ، ومحمد حسن غريب الألمعي ، وكلاهما يعشق الشعر العمودي ويعتمده في تسجيل هواتفه ، وقد جاء في مقدمة الديوان هذا النص " لا يهم أن يكون الشعر عمودياً مقفى موزوناً أو مرسلاً ، المهم أن يكون مشحوناً بقضية ، ومعبراً عن موقف وعامراً بالمحتوى المثير " . وهذا نتفق معه ، لأن شعور الصدق هو ما نحرص على رصده في أي لون من ألوان النظم ، على أني سأختار قصيدتين متشابهتين للشاعرين ، على نحو ما من التشابه ، لتكون المقارنة محدودة الأفق ، فللشاعر علي عبدالله مهدي قصيدة تحت عنوان ( أمتي ) ، قالها بمناسبة تخريج دفعة من شباب الجامعة ، وللشاعر محمد حسن غريب الألمعي قصيدة تحت عنوان ( دبيب الحياة ) قالها بمناسبة تدفق المطر في وادي ( رجال ألمع ) . ووجه التشابه بين القصيدتين لا يخفى ، فمتخرجو الجامعة غيث يهطل على الوطن فيلمؤه حياة وحيوية بالأعمال . ونزول الغيث يبعث حركة نشاط بين المواطنين ، فهم يزرعون ويسقون ويجنون ، وكلا الأمرين إذاً نعيم مرتقب ، وخير مرصود ، فخريجو الجامعة  في نظر مهدي :

نهلوا من مناهل العرفـــــــان                نبتوا في منابت الإيمـــــان

هم شباب مثل الشيوخ اتزانا                وشيوخ في العزم كالفتيان

بهمو أشرفت وجوه الأمانــي               ومطرنا بعارض هتّـــــــان

يملئون الحقول خيرا وزرعا                وتدر الضروع بالألبــــــان

هم ليوث إذا أهاب المنــــادي               وهمو في السلام كالريحان

تتغنى بهم شفاه المعانــــــي                 تتدلى لهم نواصي البيـــان

 

        صدق الشاعر إذن ، حين جعل شباب الجامعة مطراً هتاناً ، يملأ الحقل خيراً وزرعاً ، ويدر الضروع بالألبان ، وهل تفعل السحابة الممطرة غير ما رسمه الشاعر في تصويره ، وغير ما قاله أخوه الألمعي تحت عنوان ( دبيب الحياة ) ؟ إذ رأى ما عناه بقوله :

ففي كل واد نشيد ميــــــــــــاه          وفي كل شعب عيون سجــال

فهدى الحزون تمج الــــــزلال          مجيج الندامى كؤوس الثمال

ترى الغيل يزحف زحف الكبير         يعوج يميناً ويلوي شمـــــال

فيا مرسل الريح بشرى تزجّى          سكوبا أجش ومزنا هطــــال

ويا منزل الغيث أدركهــــــــــا           ولما يسيب سواد القـــــــذال

        ولدي كلام لا أخفيه ، هو أن النبرة التقريرية واضحة في القصيدتين ، وهي في الأولى أوضح منها في الثانية ، ولعل الشاعر أعد قصيدته للإلقاء في حفل ، فطغت عليها الرنة الخطابية ، وهي ما أدعو إلى تجنبه قدر الطاقة ، لأن الحديث الخطابي يفقد تأثيره ، إذا سبق مجرداً من أفواف التصوير الشعري ، وزحف على الأرض بدل أن يحلق به الخيال في شتى الأجواز ، والشاعر الألمعي في حاجة إلى مراجعة كتب اللغة والنحو ، فليس في اللغة ( مجيج ) بل ( مجاج ) ، وكما تجزم المضارع فتحذف الياء من تشبيب !

        بقي حديثي عن الشاعرين ، محمد زايد الألمعي ومحمد عبدالرحمن الحفظي ، وقد توافق في مرمى واحد ، حين كتب الأول قصيدة ( رحيل شاعر ) ، وكتب الثاني قصيدة ( تمتمات ما زالت تحكي ) ، وكلتا القصيدتين صرخة نفسية تمثل الأماني التي لم تتحقق ، وتصور اليأس الذي أظلم على غير انتظار ، فالشاعر الأستاذ الألمعي سائل يحمل رسالة ما أجاب عنها أحد ، وهو راحل في طرق الأيام ، متعب هائم ، تعبث الريح بخياله .

مطرق يمضي مع أحلامــه                      كلما مر به طير شكا لــــه

من بقايا الحزن في أجفانه                      دمعة ممتصة حتى الثماله

        والشطرة الأولى من البيت الأول في حاجة إلى تعديل يصح معه الوزن وكان الأوفق أن يقول الشاعر ( مطرق يمضي لدى أحلامه ) ، وهي سرعة نعهدها عند الشباب ، والأولى اتئاد ، على أن الشاعر بارع الريشة جيد التصوير ، تشهد ذلك في مثل قوله عن صاحبه :

كان في عتم الدجى مثل الصباح        جاء كالطيف على الدنيـــا وراح

غارق كالليل في أحزانــــــــــــه        يصنع البلسم من نزف الجــراح

سكب الآه وغنى وانتهــــــــــــى               وارتمى كالطين تنذروه الريــاح

بدأ اللحن المغنى هاهنــــــــــــــا        وانتهى  لحن الحزانى المستباح

إنه الجرح الذي أتعبـــــــــــــــــه               ذلك الدرب فغنى واستـــــــــراح

        والشاعر الثاني ( ترتيباً فقط ، لأن النسق أبجدي فحسب مع جميع شعراء الديوان ) ، كان بطله من بقايا مسافر عشق الندى والورود ، وقد خانه الحلم حين صار صوتاً مغرّداً ، وكابد صراع الأماني يسأل ؛ الليل فلا يجيب ، فينثني يسأل الصمت ، رأى في طريقه وردة بعثرتها يد الشقاء ( الرمز هنا موفق سديد ) فطردت من موضع العزة إلى مهبط الذل ، فلاقت الهوان دون ذنب ، ذهب عطرها الشذي كما ضاع فن الشاعر ، لم ينشق العطر إنسان ، ولم يسمع الشاعر أذن :

        أشعل الشعر في الضلوع وغنى ورددا

        ويرى اللون باكياً ، ويرى الرمز أسودا

        اقرءوه فإنه ذكريات من الصدى

        شاعر الوردة البريئة حزناً تخلدا

        سافرت في عيونه دمعة تسأل الغدا

        جاء من ألف ليلة ، يزرع الشوك موردا

        جاء من ألف ليلة ، وانتهى مثل ما ابتدا

        وهذه القصيدة أقوى قصائد الديوان ، وينتظر لصاحبها أن يكون ذا صوت مسموع إذا واصل السعي إلى الأوج الفسيح .

        إن فكرة اختيار بعض القصائد لعدة شعراء في ديوان واحد ، فكرة جيدة ، لأنها تدعو كل شاعر إلى أن يختار اجمل ما قال في رأيه ، فيقدم للقارئ ما يشبع ويمتع ، وقد رأينا في بعض الشباب الذين يصرون على أن يصدر كل واحد منهم ديواناً برأسه ، رأينا في هؤلاء من يقدم الغث والسمين معاً ، فتكون النتيجة أن يضيع الطيب جوار الرديء ، وأن تتبدد الجودة في هلاهيل الرداءة ، وذلك غبن أي غبن !

        إني أحيي شعراء ديوان ( قصائد من الجبل ) ، وأرقب نتاجهم الفني آملاً أن أجد بعد الفجر المشرق تباشير صباح وضيء .