الأَنَا .. والذاتية المبدعة!!
قراءة في ديوان " تَبَاهَي"
للشاعر محمد الحفظي
الدكتور : يوسف حسن العارف
معلومات أولية:
هذا الديوان
أحدث إصدار شعري للشاعر، سبقه "4" دواوين، وديوان خامس مشترك.
طبع بمطابع المستقبل عام 1427هـ
عدد الصفحات 128صفحة
عدد النصوص/ القصائد "30" نصاً/ قصيدة
تتراوح نصوصه بين القصيدة البيتية/العمودية، والنص الحر (التفعيلة)، والنص
المنثور، أو ما أسماه الشاعر "نثر فني"
مفتتح:
"دانت لك الروح...
يا سيد العطر..
هل تعرف الان؟؟
أن الشذى يعبر الاحتضار..
وأن الخرافات تمتص منك اليقين..
وتلقي بزهوك في منجم العيد..
والفارهون
احتسوا من حناياك جل الهوى".
التساؤل الذي تطرحه هذه المقاربة، من هو سيد العطر الذي دانت له الروح والذي تمتص
منه الخرافات اليقين، وتلقى بزهوه في منجم العيد؟!
إنها أسئلة تشكل علامات استفهام في أكثر نصوص الديوان حيث تجعل أمر الإجابة عليها
منوطاً بالمداخلة الواعية مع تلك النصوص متوسلين بآليات استنطاق النص وتفتيقه علّ
غيمة من التأويل تفضي بها إلينا هذه المحاولات.
أولاً: تحتفي هذه القراءة بنص أولي يفتتح به الديوان إهداءً، ربما يلج بنا إلى
أجوبة مشروعة لذلك التساول:
"إلى كف مبعثرة
وحرف نازف بالصوت..
هل أوفيت أن أشدو؟؟
هل أوصلتُ قافيتي؟؟
إلى النامين في شجني
...
...
إن الشعر يسبقني
وينزفني
وهنا سأضع القارئ شريكاً معي في استنطاق ما تحته خط مما سلف آنفاً، متأكدا أننا
(القارئ وأنا) سنصل إلى قيمة تتحرك في فضاء أغلب النصوص قد تكون هي المراد وهي
الجواب.
ولندخل إلى نص ثان بعنوان "بداية" سنجد أن عدد المفردات التي تدل على تلك القيمة
حوالي (24) أربع وعشرين كلها جاءت في أفعال مضارعة أو ماضية ولكنها تنتهي ب(تاء)
المتكلم مما يدلنا على القيمة إياها.
أما النص الذي أزمع أن أضعه على مشرحة التفتيق كي نرى تنامي تلك "الأنا" في حقول
دلالية فاعلة ومبهجة فهو نص "الشهب". نص ترتوي غصونه من البحر الطويل على قافية
"عينية"، وقصيدة بيتية - خليلية - عمودية. راقصة المعاني، رائعة المطلع والخاتمة،
حاوية جل المعاني البكر والفضاءات المخملية.
عنوانها "الشهب" جمع شهاب تتشظى معانيه في كل أبيات القصيدة فكما هو المطلع:
أضيئي كوجه الشمس صوتاً ومرتعاً، وقصي جناح الليل ما امتد وادعى
ولومي المنايا .. لا تلومي توقفاً
يخاف على الأيام أن تتصدعا
كوينا بهذا الصبر حتى أشاخنا
وذبنا من التذكار حتى تمنعا
وطفنا وما في القلب إلا جراحنا
وعدنا إلى الأنقاض نشتاق منبعا
هنا تنجلي الأنا الجمعية، ناء (النحن)، ناء (العظمة) في خطابية تقريرية يتحول فيها
الصبر مصدر شيخوخة وذوبان، وتتحول "الجراح" إلى "كل" مؤلم، وعودة نحو "الأنقاض" في
شوق إلى المنابع دلالة الحياة والحيوية.
ومن الأنا الجمعية يتحول النص/ القصيدة إلى الأنا الفردية فيما بقي من الأبيات وما
تشمله من مفردات:
سنيني مضت والأربعون تحفها
على خاطر مازال بالأمس مولعا
أجيء كباقي الناس تمتد أضلعي
وتهفو كقوس الشمس أين توزعا
وهكذا تأتي دلالات الأنا الفردية: أهز .. أفضو .. فرشت .. تُقَسمني أموت، أشارك...
وفيها نلمس الانبهار بالذات الأربعينية التي تقاسمها اخضرار السنين، ولعل بجوف
الليل يلتمس الدعا". وفي كلا الحالتين تظل ذاتاً فاعلة منتجة مبدعة.
فرشت جوى الأيام نبض حشاشتي
ورمت وصالاً لا يزال منقطعا
أموت وحولي البيد لا تلد الرؤى
أغادر ممتد الجفاف مودعا
إذا صمتت روحي فذاك حريقها
وإن ظمئت يوما فلن تتوجعا
على أن أجمل المقاطع الدالة على تلك الأنا الفاعلة هي التي تبدأ ب:
لك الله يا حسنا تدفق عنوة .. المقطع الثالث من النص
لك الله يا وجهاً سكبت محاره.. المقطع الخامس من النص
لك الله يا قطراً تسيل شموعه .. المقطع السابع من النص
لك الله يا صوتاً تجيء هتونه.. المقطع الأخير الثامن من النص
هنا يشهد النص تحولات "الأنا"/ الذات الأربعينية التي أصاخ الشاعر سمعه لهتافها
فتباكى عليها داعيا لها "لك الله" في انشادية متجلية. ولعلي أتساءل ناقداً/
ومؤولاً:
هل الشهب (عنوان النص) هي تلك السنون الأربعون التي مضت ومازال الخاطر مولعا
بالأمس/ ما قبل الأربعين؟!
وهل السنون الأربعون هي التي تساقطت من عمر الشاعر كما الشهب؟!
أم هل هي سنوات مضيئات زينت السماء ردحاً من الزمن كالشهب؟!
أعتقد أن تأويلاً كهذا قد يكون مقبولاً في سلم هذه المقاربة العقدية!!
أما النص الأخير الذي ستحاول هذه المقاربة أن تقف عنده فهو النص الذي تجلى في
الديوان بشكل ما، جعل الشاعر يختاره عنواناً للديوان كله وهو نص بعنوان "تباهي على
القلب":
"لأني أحبك..
أشرعت نافذة العاشقين إلى ظل عينيك
..
توجت أسطورتي رافداً يستقيك
على كل إشراقة للقمر
توقفت عند اختيار الوجوه..
فكان لوجهك طهر الحياة.."
إلى أن يقول:
"تباهي على القلب وهو يمد
شراع الهوى.. وطريق السفر
تباهي..
كما لم يكن قبلك الآن..
من أشعل الشعر والاحتضار".
في هذا التجلي الغنائي تبدو مفردات الأنا ناضجة مكتملة في مواجهة المخاطب الأنثى/
القصيدة وهي أنا مستعلية/ واثقة، تصنع المستحيل:
أشرعت نافذة العاشقين إلى ظل عينيك.
كتبت بقلبي حروف النداء.
وقلت لكل الكلام الجميل.. تلذذ بصمتي في حضرة الحب.
وهكذا تتجلى الأنا والذاتية المبدعة في أغلب نصوص الديوان سواء ما جاء منها على
القصيد العمودي/ الخليلي. أو النص النثري التفعيلة. لذلك استطيع أن أزف مباركتي
وابتهاجي بهذه الذات. بهذه الأنا الفاعلة.. المنتجة .. المبدعة.
الأنا الإيجابية وليست الأنا المتخاذلة السلبية. الأنا الواثقة، المترفعة ولم لا
تكن كذلك وهي ذات أربعينية. ذات النضج والبعد المعرفي. ذات الخلق والإبداع. ذات
التأثير المضمخ بعطر المفردات.
ختام:
وهكذا عاشت هذه المقاربة النقدية مع صوت شعري جنوبي له حضوره في المشهد الشعري
السعودي، إنه الشاعر المبدع محمد عبدالرحمن الحفظي من بيت علم وفضل وشاعرية، له كل
الحب والزمالة والاحترام.
وما بين "البداية" و"الختام" يكون الحضور..
لا يكون الغياب!!
ما بين البداية والختام.. تتأبجد القصيدة لدى "الحفظي" في تراتبية فارعة لا
تجد مناصاً من القبض على لحظة البدء لتكتب عنها.
وها أنذا أكون مولعاً بالفضاء القصيِّ للقصيد..
وعاشقاً للنصوص التي تعطيك مفاتيحها من أول قراءة.
كنت ملهماً يا سيد العطر..
وقد دانت لك الروح..
دانت لك القصيدة
ودانت لك وعنك الكتابة!!
وأنت السمير المندَّى
يمزجك البحر فوق سنا برقه
فلا تلوي محياك..
وكن مستمرئاً بالخطوب
الخطوب!!