(( عندما ينتقض قلبِّ في كف شاعر ! ))

قراءة في ديوان (( غبار الجسد الباقي )) لمحمد الحفظي

 

 

    الآطام

     (مجلة دورية تصدر عن نادي المدينة المنورة الأدبي) العدد 12 - 13 (ربيع الثاني1422هـ) 

                                   الصفحات 297 - 307

 

                                             بقلم الأستاذة / آمنة محمد آل علية

 

  تشعر وأنت تقلِّب صفحات ديوان الشاعر : محمد الحفظـي الموسوم بــــــــــــ ( غبار الجسد الباقي ) أنك تقف أمام جبل من المعاني العميقة ، تحاول أن تتسلقه مستعيناً بسلاسل من حروف متوهجة اللفظ ، عبقرية المعنى ، عفوية الانسياق ، صلبة الثبوت في أراضي الإبداع الخصبة .. تشعر بعجز ينتابك بين الفينة والأخرى . عندما تحاول أن تسبر معنىً ، أو تتأمّل صورة بليغة فكل ذلك يزدحم بين دفتي الديوان ، ولا تكاد تغادر سطراً دون أن تستوقفك روعته .. فأنت منذ قراءة الغلاف تجد أنك أمام عنوان غريب ، تحتار في فهمه ! ، فهل الباقي هو الغبار ، أم الجسد ؟ وأي جسد ذلك الذي يمكن أن تعلوه الغبرة ؟ . وأي غبرة يعني ؟؟ وما إن تبدأ في تقليب صفحات الديوان التي بلغت [ 127] صفحة من القطع المتوسط حتى تلحظ روعة العناوين رغم ما تحويه من غموض يجعل شوقك إلى قراءة النص يزداد ، ورغبتك في تكرار القراءة تتضاعف .

   وقد آثر الحفظي أن يكون إهداؤه شعرياً ، فقد ضمّن صفحة الإهداء ، هذه المقطوعة الجميلة التي كُتبت بخطه ، وختمت بتوقيعه :

  ليوم مرّ

  لم يغرق سوى بالليل

  حتى فارق الدالات ..

  واستبقى النقاء البكر

  في زمن تعدى لاستراق البوح

  من إيماءة الألم .. (1)

  وقد حوى الديوان (17) قصيدة تتسم بعناوين مبتكرة ، ورغبة ملحة من الشاعر في تصيُّد أغرب الألفاظ ، وأعمق المعاني ، وأدق الصور .. فها هو يقول في قصيدة ( إيغال .. في هفوة الوجه الموصد ) :

يبرق النبض في حريق التحايـا           قسمات محمومة بالفضيلـــــــة ْ

ويشـجّ الركام عن وقفة الفجــر           بإيماءةِ البكاء الطويلـــــــــــــة ْ

وبصوتين من أثير التوافيـــــق           ومن هفوة العيون النجيلـــــــة ْ

لم يكن يفتق الحروف على البـ            ـوح وينسى بأنها لن تطيلـــــه ْ

وهجٌ من حريقه يتلاقــــــــــــى           بالرؤى المستميتة المستحيلــة ْ

وفتور الرماد يذروه كالصحــــو          بشظوٍ يودُّ أن يستميـلـــــــــــة ْ (2)

  هناك بيت في الديوان يكاد يكون هو الأروع ، استوقفني كثيراً ، وأخذت أردده ، وأسمعه كل من لاقيت ، خاصة من أعلم ولعهم بالشعر ، وهو يهم بالتقاط روائعه ، يقول الحفظي واصفاً استقبال المبدع لما ينتجه قلمه من كلمات تُعبِّر عن مشاعره ، وتوصل أفكاره للناس :

إذا تحدّر حرفٌ يكتوي بدمي               زرعتُ قلباً لهُ  في الكفِّ ينتفضُ (3)

  فما أروع تحدُّر الحرف إلى أعماق الروح ، روح المبدع ، وروح المتلقي ، وكل روح يصلها صدى ذلك الحرف الذي أنتجته زفرة من صدر ينوء بحمل أعباء الكلمة ، ويشعر بمسؤولية الرقي بها إلى قمم الاحتفاء .. وما ألذ اكتواؤه بذلك النزف الصادق المحتوي لكل معنىً يُمكن أن يُشير إليه ولو من بعيد بطرف إصبع ، أو برمشة عين .. وما أغرب ذلك الاستقبال الراقص ، فالقلب ينتفض على غير عادته ، والخفقات تفقد توازنها ، وتترك رزانتها المعتادة ، وتنتقل بصاحبها من القفص الصدري إلى كف صغير في زاوية من هذا الكون الفسيح .. والشاعر المحتفي بحرفه يجعل من كفه أرضاً خصبة تُنبت قلوباً منتفضة ، لا نعلم أهي انتفاضة وجل ، أم أنهار رعشة الفرحة الأولى في حياة ملئت بالأحزان .

  ويختم شاعرنا نصّه ( اجتراء ) بقوله :

  سيكبر في الضحكات التعب ..

  وتصغي الرياح لجدرانها

  ممزقة كاندلاق الشجن ..!! (4)

  فيدهشك ما قد تخفيه الضحكات المجلجلة من متاعب تقلِّد الصغار في نموهم المستمر ، ويشتد عودها يوماً كما يحدث لهم ، في صورة قد يجهلها الكثيرون ممن يظنون أن الضحكات العالية تعكس شخصيات تغرق في السعادة حتى أذنيها .. ثم يعلو نداؤه قائلاً :

  ولا يكاد يمر تكرار كلمة ( الانثيال ) بتصاريفها المختلفة ( أنثال ، تنثل ، أنثل ، تثيل ) [11] مرة على قارئ الديوان دون أن يستوقفه ، ويُثير أسئلته ، فهي كلمة لا تدور كثيراً على الألسن ، ولا حتى في كتابات المثقفين في مختلف الفنون [ انثيال الضوء .. انثال هذا الحريق .. انثيال الغريق .. أنثل أحرق موّالي المزهرة .. ] وغيرها من الصور التي تبرز انصبابات مختلفة ، وتجعل المتأمِّل يغرق في الصورة ، ويحياها ..

  كما يصوِّر لنا العلاقة الحميمة بين المبدع ومداده في نصه : ( رائحة الحبر المعتَّقة ) بقوله :

  رائحة الحبر المعتَّقة ْ

  تومئ بانثيال يشرب السواد

  يُفرز المعلَّقة ْ .!!

إلى أن يقول :

  رائحة الحبر المعتَّقة ْ..

  في الخبز تحترقْ ..!

  ومن تشظيات الملح قد تفيق ..!!! (6)

  ثم يصف شاعرنـا علاقة المبدع بالسؤال .. ذلك المثير لكوامن القصيد ، والمضوِّع لمسكه قائلاً :

  أقصوصة من ورقْ .

  وخطوةٌ في الحرير .

  تُدمِي الرؤى المنصتة ْ..!!!

  وخلفَ أصدائه ...

  عمرٌ يمدّ الرحيقْ .. ويشتهي السنبلة ْ

  يجثو الهوى مسرعاً

  دون طريق به يستعجل الأسئلة ..؟؟

إلى أن يقول :

  بيني وبين السؤال ..

  تشَابُه الأسئلة ْ..؟؟!! (7)

   ويمضي الحفظي في استعراض صوره الشعريـــة تحـــت عنـوان : ( وجهي في الفخار ) قائلاً :

  أنا ( فلان ... ) !!!

  لكن صورتي محطَّمة .!

  ( الاسم ) .. اسمي كاملٌ

  وبلدتي مشهورة ..

  وهاتفي مسجلٌ في القائمة .!!

  لكن صورتي .. ( لا واضحة ) .

  وجهي مكسَّر في كومة الفخّار

  من يجمع الفخَّار .. ؟؟؟!

  ويحمل العناء أشهراً ..

  ليعرف العيون .!!

  ويسأل العيون عن وجهي ..؟؟؟

  وعن ... ( أنا ) .؟؟!!

ويسترسل في تصوير ذاته الغامضة قائلاً :

  ( إعرابي ) الآن مكلف ..

  يختلف ( النحاة ) في مواقعي ..

  سيربطون أذرعي مع ( الخبر )

  ويفتحون ( صيغتي ) ( بفتحة مقدَّرة )

  وقد أكون ( حتى ) دائماً ..

  لأنني ( أُحَـتْحِتُ ) الوضوح ..!!

  سترتمي لي ( ضمة ) في الحنجرة ..

  و (نازعٌ ) يشدني لفعله ..

  ووجهي المُضاع لم يعد ....!!! (8)

  ويعود بنا الحفظي إلى فضاءات الأسئلة الرحبة ، وسبلها المتطاولة قائلاً :

  أوكيف يرتاح التعب ..؟؟

  أوكيف يخضلُّ العناء الركض ؟؟

  يشطأ في النّشَب .!! (9)

وتهتز القلوب طرباً لقوله :

قبل السدول ذَوَت في الشِّعر رشفته      والبحر يظفر رجع الموج والوجـــلا

وكم تفـطَّـر حتى كاد من ظــمـــــأ      أن يعصر القفر أو يستعطف الجبلا (10)

ثم يفتتح قصيدة ( تمزُّق ) بقوله :

  التمزُّق .

  ليس مني ابتدأ

 سبقتني الحروف

  في احتضار الورق

  سبقتني يدي بين خوف الظلام .. وانثيال الغرق .!! (11)

   مؤنسنا الحروف والأوراق في علاقتها مع أنامله في لحظة الإبداع الشهية ..

  في قصيدته : ( نزيف لما بعد الآن ) يعود للنظم الكلاسيكي قائلاً :

مساؤك موغلٌ ألمـــــا                      ونبضك ينزف الحلما

وما يبقى ستُشعلـــــــه                     يدٌ أخرى تضج دمـــا (12)

وكم أعجبتني استعارة الحفظي لرداء الليل في قوله :

الفأل يورق فاتسبقيه واقتربـي           سترتمين على إيهاج مغتـــــــرب

مذ بان خلف محيا الليل يذرعه           صوتٌ .. ويسكب إيماءً بلا عتــب

أفيق انظر مما يحتوي قلقـــي             وأستعير رداء الليل من تعبي (13)

   فهل ارتداء ذلك الرداء يهدئ أوجاع الليل ، ويخفف وطأة القلق ؟ ، أم أنها رغبة الشاعر في التعريف بتوطد علاقة الشعراء بالليل ، والتواصل الحميم بينهم وبينه في علاقة حميمة لا تقيِّدها الرسميات ، ولا يعوق تعميقها عائق ؟؟ .

  كما يصف مجيئه في نصه ( لئلا .. والعشرة الألف ) قائلاً :

  جئت .

  لكنني جئت يسبقني الرجع من أجل مُؤْثِر ٍ

  باعتساف التخطّي ..

  ومحو الهنيهات

والانثيال الطليق ..!! (14)

  في مشهد تبرز فيه صورة اعتساف الخطى بشكل يُثير الإعجاب ، ويجعل الصور المتخيلة تتوالد .. ويصف لنا اللجظات الممضة في قصيدته " استغاثة في قول الليل " قائلاً :

  يلتصق الوقت على النافذة ..

  يشل ريق العمر ..

  يمتصه غضّاً

  ويشويه على التممة

  ينخله .. يُفتِّق أسماءه الظمأى

ويطويه .. بقايا زرعت نفسها رسماً

  تشظَّى في دم الخاصرة !!! (15)

  ويتكرر ذكره الخاصرة في عنوان إحدى قصائده ( اختراق الوقد والخاصرة ) والتي يختمها قائلاً :

  متعبون ..

  كما يتهجى الضباب انثيال الضياء

  ويسقط في ترّهات المثول . !!! (16)

  مقتبساً هذه الصورة من الطبيعة البكر التي تربى على مرتفعاتها ، وكان مشهد التهجي الذي يذكرنا بتهجي الثبيتي لحلمه الذي عنون به ديوانه مشهداً مكرراً في أكثر أيام العام الجنوبي البديع ، موحياً له ولأمثاله بامتدادات تأملية شاسعة ، ومناهل طبيعية زاخرة .

   كما يقول في دعوة متفائلـــة للفرح ، ونبذ الأحـــزان فــي قصيدته : ( التوقف في صحوة السراج ) :

  فرِّقي ذلك الحزن المستبد بعينيك ..

  وارتحلي في بقايا الفرح (17)

ويختتم قصيدته ( فراغ الاستجداء ) بقوله :

  فرغ المدى واهتز في دمه الإياب

  وتاه .. يستجدي النجاء .

  بَرَدَ البكاء ..

  ولم يفق إلا بأطراف البنان

  تثيل .. تحترف الهراء (18)

كما يختتم قصيدته ( أجل ) بأمنية ملحة :

  ليت الحطام الداجي المُنتَهَى     قد أغفل النار لينثال بي (19)

   هي القصيدة التي ختم بها ديوانه بقصيدة تقليدية كما بدأه ، ولعل ذلك كان منه انحيازاً للموروث ، وتأكيداً للهوية ، مع اتساع الأفق ، وانجذابه لكل جديد إذا وافق الذوق السليم ، وتمشَّى مع الثوابت ..

  وتأتي خاتمة ( غبار الجسد الباقي ) نثرية الشكل ، شعريَّة التميُّز ، باهرة الوضوح تحوي اعترافاً ببكاء يعكس شفافية روح ، ورهافة حس ، وصدق انتماء وواحة إبداع .

  يقول في الختام الرائع لديوانه الذي استطاع أن يحرض بداخلي رغبة مدفونة في الكتابة عن الشعر والشعراء :

  ها هي النقطة تقف ، والحرف يتجعَّد ..

  أقترب من ثوَرَان النظر لكنني لا أرى ، والجسد يغبر بالحنين.. (20)

إلى أن يقول :

  أقف بشموخ الجرح ، وأضع الكف برعشته على دفق التنهد .

  أصرخ بكل ما أقوى ..

  لكنني أتأبّط الاعتصار وأبكي (21)

  أغلق الديوان وبداخلي رغبة ملحة بتقليب صفحاته ، وتأمُّل روائعه من جديد ، مرة بعد أخرى ، وأنا على يقين من أنني سأكتشف في كل عودة شيئاً جديداً ، وسأقتبس أفكاراً أحلى ، وكم أرجو أن يكون في عرضي لقصائد الديوان داعياً لاقتنائه ، والإبحار في عبابه الزاخر باللغة الجميلة ، والصور البديعة ، والمعاني الخلاقة ..

 

الهوامش

1)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 5 .

2)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 61 ـ 62 .

3)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 25 .

4)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 53 .

5)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 86 .

6)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 91 ـ 95 .

7)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 100 ـ 101 .

8)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 108 ـ 110 .

9)        غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 33 ـ 34 .

10)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 10 .

11)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 67 .

12)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 39 .

13)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 85 .

14)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 117 .

15)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 76 ـ 77 .

16)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 19 .

17)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 45 .

18)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 58 .

19)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 122 .

20)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 124 .

21)      غبار الجسد الباقي لمحمد الحفظي ص 125 .