الحلم والزمن الطائر
اطلالة سريعة على ديوان " أولى تجاوزات .. لا "
للشاعر السعودي محمد عبدالرحمن الحفظي
بقلم الأستاذ / أحمد فراج
ينفرد الشاعر " محمد عبدالرحمن الحفظي " بأسلوب خاص في الكتابة يميزه عن بقية شعراء
المملكة العربية السعودية ، ويستطيع المتلقي العادي غير المتخصص في مجال الأدب أن
يلحظ هذا بسهولة تامة ، إلا أنه قد يلقي اللوم عليه أو يصدر حكماً خاطئاً إذا اكتفى
بالاستماع أو الإطلاع على القصيدة مرة واحدة فقط .
ذلك أن هذا الأسلوب الخاص في الكتابة قريب جداً من المفهوم الفعلي للإبهام والغرابة
والضبابية والألغاز والرموز المعقدة التي تسيطر على كل مكونات القصيدة بصفة عامة
وعلى الجانب التصويري بصفة خاصة .
وعلى هذا يجب إعادة الاستماع إليها أو الاطلاع على القصيدة أكثر من مرّة للتعرف على
معطياتها وعلى ما يرمي إليه الشاعر من استخدامه لهذا الأسلوب ومعرفة السبب الذي
دفعه للسير على هذا المنهج في معالجة الموضوع .
ويجب أن نضع في اعتبارنا أن الأفكار قد تعالج بمفهومها السطحي أو المباشر ، وفي هذه
الحالة تمثل الكتابة الشعرية خروجاً على المعطيات الصحيحة للثقافة العربية .
ذلك أن أهم سمات هذه الثقافة هي الوضوح والإقناع واحترام العقل البشري والعمل على
توعيته وإنارة الطريق أمامه وإعطاءه الفرصة للعمل الخلاّق ، على عكس ما ترمي إليه
بعض الثقافات الأجنبية والاتجاهات الفكرية المادية من خلق هالة من الضبابية المعتمة
والغرابة المبهمة حول العقل البشري لوضعه في حالة تشبه إلى حد كبير حالة العجز أو
الشلل لتسهيل عملية التأثير والسيطرة عليه وتوجيهه تحت شعار الحرية والإضافة
والتجديد . وحين نحاول أن نبحث عن السبب الذي دفع الشاعر إلى صبغ قصائده بهذا اللون
التعبيري نجد أنه يحاول أن يصنع نوعاً من التناص الفعلي بين الواقع وبين القصيدة
بحيث تكون كل معطيات الواقع هي نفس معطيات القصيدة ، فالشاعر لا يجد أي صلة بين ما
هو موجود بالفعل وبين ما يجب أو يوجد . وبتعبير أوضح لا يجد أي صلة بين الواقع
والمزدحم بالأخطاء والسلبيات ( ما هو موجود بالفعل ) وبين الإطار الثقافي لهذا
الواقع والمعزول عنه ( ما يجب أن بوجد ) بكل ما فيه من صدق وإضاءات وإيجابيات على
المستوى النظري أو التطبيقي كما كان الحال قبل زوال المجد العربي .
فالشاعر يرى أن ما يحدث على المستوى الواقعي غير طبيعي ولا يتفق مع المنطق العقلي ،
لذا يجب رفضه والثورة عليه لأن لا معقولية الشيء تدفع الإنسان أوّل ما تدفعه إلى
البحث عن سبب لا معقولية هذا الشيء ، وعلى هذا تعمد الشاعر أن يصنع من القصيدة مرآة
فعلية متعددة الأبعاد والزوايا تعمل على تجسيد وتكثيف كل محتويات الواقع أمام أعين
المتلقي بصورة دائمة حتى تدفعه للمشاركة مع الشاعر لمحاولة تغيير السلبيات والحفاظ
على الإيجابيات .
وكأن ما يعتري القصيدة من الغموض والغرابة هو نفس ما يعتري الواقع الذي يعيشه
الشاعر والمتلقي .
وكما هو واضح أن اسم الديوان نفسه يدل على معنى الرفض وعلى أن ما سيقوله الشاعر هو
أول خطوة في طريق الثورة على الأخطاء وأنه سيستمر في هذه الثورة الشعرية وبخطوات
أقوى راشد حتى يتم تغيير هذه الأخطاء .
وحين نتعرض لبعض النماذج الشعرية مثل قصيدة " تداخلات الزمن الطائر " نجد أن
الموضوع العام للقصيدة يدور حول نفس التحليل السابق ، فمعطيات القصيدة تقودنا إلى
أن هذا الزمن الطائر هو أحد زمنين ، الأول هو زمن الماضي الذهبي النبيل الذي ترك
الأرض وارتفع إلى السماء وظل يرفرف ويرفض العودة مرة ثانية ، أما الزمن الثاني هو
زمن المستقبل العربي المشرق والحلم الذي يتمناه الشاعر ويرغب في أن يكون حقيقة
ملموسة ، ولكنه يراه في الفضاء يرفرف ويرفض أن يحط على أرض الواقع ( الحاضر ) ،
وكما سبق أن ذكرنا أن القاعدة الفكرية الأساسية التي يتعامل الشاعر بها مع هذين
الزمنين الطائرين هي قاعدة رفض الواقع .
وتؤكد العلاقة بين هذين الزمنين الطائرين على صحة ما سبق أن استخلصناه عن كيفية
تعامل الشاعر مع الموضوع العام للقصيدة ، فزمن الحلم أو المستقبل هو الزمن الطائر
الذي يرفض أن يحط على الحاضر بكل ما فيه من متناقضات لذا يفضل أن يبقى طائراً في
السماء مثل زمن الماضي العربي الذهبي الذي ترك أرض الواقع ورفرف في السماء بعيداً
عنه .
أي أن زمن الحلم أو زمن المستقبل هو ذاته زمن الماضي العربي الذهبي .
فالشاعر يقوم بعرض الموضوع على ثلاثة محاور رئيسية هي :
1 ـ رفض الواقع .
2 ـ الحنين إلى الماضي الذهبي .
3 ـ الشوق إلى المستقبل المشرق .
ويسيطر هذا الأسلوب على معظم قصائد الديوان ، حيث يقوم الشاعر باختصار المسافة بين
الماضي والمستقبل . الحلم ، ويلغي القيمة الزمنية ويبقى على القيم الفعلية الملموسة
التي تكوّن خصائص وصفات هذين الزمنين .
أما الرفض فينصب على زمن الحاضر ، وعلى هذا يصبح زمن الحاضر عاملاً مساعداً في
إلغاء المسافة بين الماضي والمستقبل لأن الحاضر عاملاً مساعداً في إلغاء المسافة
بين الماضي والمستقبل لأن المطلوب هو استغلال القيمة الزمنية للوصول إلى الحلم بكل
صفاته كالخير والعدل والحب والسلام ... الخ ، إلى مفهوم السماء بدلالاتها النورانية
المضيئة كما جعل الزمن الماضي مرتبطاً بنفس الدلالات النورانية .
وقد أغناه هذا الأسلوب الممتع عن التوغل في شرح صفات الحلم / المستقبل أو صفات
الماضي الذهبي ، فقد جعل كل دلالات لفظ السماء شرطاً من شروط زمن الحلم / الماضي .
المستقبل .
وها هو الشاعر يرفض متناقضات الواقع ويوضح ما تؤدي إليه هذه المتناقضات من الضياع
والتشتت والوهم والألم ، يقول :
ونضيع .. يقسمنا الطريق
والحاجز الموهوم أكبر في احتمالات اللقاء
والحاجز المعروف شبر واحد
يمتص أفئدة السماء
ويدعو الشاعر إلى العمل من أجل تحقيق الحلم ويشير إلى إمكانية تحقيقه بسهولة من
خلال التشابه بينه كمستقبل وبين زمن الماضي الذهبي ، وتنعكس صورة الحلم في " الوردة
البضاء " وفي " الصوت الذي ينتشي في زمن المرايا بين الرجوع " ، وتنعكس صورة العمل
والمعاناة من أجل تحقيق الحلم في " اختيال المغريات " وفي " احتدامات الجذور " أما
تعبير " زمان الثلج " فينطوي على العديد من الدلالات الشعرية الظاهرية والباطنية
مثل الإشارة إلى التراخي والكسل وتجمد الرغبة في تحقيق الحلم ومثل الإشارة إلى تجمد
الحلم ذاته أو تجمد القيم الصافية المرتبطة به واحتياج هذه القيم إلى من ينفض عنها
الثلج حتى تعود للحياة من جديد ومثل ارتباط معنى الثلج بمعطيات حياتنا المعاصرة مثل
الإيحاء بمدى صعوبة العمل ومدى الجهد الشاق المطلوب من أجل تحقيق الحلم ومثل ارتباط
صفاء لون الثلج بصفاء لون الحلم ومثل ... الخ ، أي أن هذا التعبير الشعري مطلق
إطلاقاً كلياً على المستوى الفكري والتصويري مثل تعبير " زمن المرايا " .
من ذا يفتش في الطريق
فالحلم ...
يرقد في زمان الثلج في لون يضيع
تختال فيه المغريات
والوردة البيضاء تسبقها احتدامات الجذور
والصوت في زمن المرايا ينتشي بين الرجوع
ويجسد الشاعر رفض الطائر / الزمن أن يحط على أرض الواقع / الحاضر ، ويصور مدى
احتياجنا إليه بأسلوب غير مباشر عن طريق تسليط الضوء على بعض صفات هذا الطائر .
كم ذلك الطير ارتخى
كم حلقت ما بين أجنحة المرد حمامة
ترنو بظل من بعيد
تهمي بوردة معطف وتمرد الألق العنيد
ودم جديد
فالظل البعيد يشير إلى المسافة بين الواقع وبين الحلم ، أما " وردة المنعطف " فهي
تعبير شعري مطلق على المستوى الفكري والتصويري ، فهو ينطوي على العديد من الدلالات
غير المحصورة ، فالصورة توحي بمظهر الحلم الرائع / الوردة ، كما توحي بالدفء النابع
من الحلم / المعطف وهكذا تتكامل الجوانب الفكرية مع الجوانب التصويرية في القصيدة
حتى تخرج وحدة القصيدة الموضوعية في شكل قوي ومبهر غير قابل للهدم ويبدو التناسق
والتجانس بين الألفاظ بوضوح تام .
الطير / أجنحة / حمامة / ظل / مرايا / زمن .
وردة / الحلم / الإضاءات / النجوم / السماء .
المركب / التسابيح / الطريق / الوجه / الباسم .
وحين تتشابك الأفكار ، وتتعقد المعاني وتتزايد دلالات التعبيرات الشعرية ويصعب على
المتلقي أن يحدد مفهوماً واحداً أو عدة مفاهيم يتدخل الشاعر بمنهج البساطة ويوضح أن
هذا الزمن الطائر هو زمن الماضي .
هل كان هذا المركب المحمول في ثلج السماء
وفي تسابيح الإضاءات الوحيدة في النجوم
هل كان إلاّ رحلة
كان الطريق ...
وكان وجهاً باسماً يحلو له أن يستمر على نداه
ثم يبلور الشاعر الصفات المتماثلة لزمن المستقبل / الحلم مع زمن الماضي ، ويجسد مدى
شوقه لهذا الحلم وما يفعله الشوق فيه .
وأن يدوم بظله ...
عشق يضم ملامحي
عشق تطاير من بقايا الرسم
عشق يضم ملامحي
خطته أغنية المساء المرتمي فوق الظلام
والبحر في عينين ...
قد أهدى إلى وجه الصباح قلادة
يوضح الشاعر أن هذا الزمن الطائر هو المركب المحمول في السماء هو الحلم ويشير إلى
كيفية تحقيقه بالعمل الشاق / رحلة / طريق ، وبالنوايا الطيبة والحب / الوجه الباسم
المستمر على الندى .
وترتفع في هذا المقطع نبرة الصدق ويغطي دفء المشاعر كل مكوناته حيث تلعب بساطة
التعبير دورها بنجاح تام كحوامل جيدة للشحنات الانفعالية الصادقة ، لذا تزداد نسبة
الوضوح في المعنى والصورة الشعرية وتقل نسبة الإطلاق وتنساب المفاهيم والأفكار في
عذوبة وسلاسة إلى القلوب وتهز أركانها وتزلزل كيانها برفق وبحرص دون أن تترك أي أثر
سلبي بها أو عليها .
فالعمل / الرحلة / الطريق ، هو الوجه الآخر لعملة الحلم / الأمنية / الطائر /
المركب المحمول ، ويدور الفعل والقول في إطار الحب الصادق والنوايا الطيبة والرغبة
الشديدة في التعامل بالوفاء والصفاء / الوجه الباسم المستمر على نداه .
وعلى الرغم من الوضوح الشديد لتعبير الباسم فإنه ينطوي على العديد من الدلالات
الضمنية التي تضعه في حيز الإطلاق الشعري الكلي على المستوى الفكري والتصويري أيضاً
، فإذا كانت إيحاءات الوجه الباسم تنحصر في الصدق والحب والنوايا الطيبة فإن
استمرار هذا الوجه على نداه يفتح الباب على مصراعيه لإضافة العديد من المعاني لهذا
الوجه الباسم من خلال استمراره على نداه ، فالندى يوحي بالأمل والتفاؤل والرغبة
الشديدة للتمسك بالحياة وهو يرتبط بمفهوم الفجر / النور ، كما يرتبط بمفهوم الزرع /
الخضرة ، والاستمرار يوحي بالإرادة القوية والإصرار الشديد والنجاح .
وقد نجح الشاعر نجاحاً باهراً في تخصيص الندى للوجه نفسه ، وهذا الوجه يستمر على
نداه وليس على ندى أي وجه آخر ، ويمكن بسهولة تامة سحب دلالات هذا التعبير على
مفهوم الحلم وكيفية تحقيقه وأهمية الاعتماد على الذات وعلى المعطيات الخاصة لبيئة
هذا الحلم وأهمية عدم الاعتماد على المعطيات الغريبة من أجل تحقيقه .
ويستمر تدفق نهر الصدق وينشر الدفء على ضفتيه فيتحول الحلم إلى عشق يضم الملامح
ويتطاير من بقايا الرسم حيث يشير هذا التطاير من البقايا إلى جذور هذا الحلم / زمن
الماضي وحين يتطابق رسم الحلم / المستقبل مع رسم الماضي ( بقايا الرسم ) ويضيف فعل
( يضم ) المزيد من معاني الصدق والحب والحنان إلى نهر المعاني الصافية وكذلك فعل "
يدوم " ، كما يتكامل تعبير " وجه الصباح " مع تعبير " الوردة البيضاء " ومع " وردة
المعطف " من أجل رسم الحلم الرائع / القلادة .
وكذلك تتكامل تعبيرات " المساء المرتمي فوق الظلام " و " احتدامات الجذور " و "
الرحلة " و " الطريق " و " الدم الجديد " " وتمرّد الألق العنيد " و " الصوت
المنتشي بين الرجوع " ، تتكامل وتتفاعل مع بعضها البعض حتى تجسد أهمية التمسك
بالحلم وأهمية الإصرار على العمل الشاق من أجل تحقيقه ومدى المعاناة في هذا العمل .
وهكذا يتضافر منهج البساطة في التعبير مع منهج التكثيف الفكري أو التصويري حتى
يتكون تعبير شعري قوي وممتع يشبع القلب والعقل معاً بعيداً عن التكلف والتصنع .
ويبدو بوضوح تام التجانس والتكامل الكلي بين ألفاظ القصيدة على المستوى الظاهري أو
الباطني هلى حد سواء بحيث يكوّن التفاعل بين هذه المفردات نسيجاً شعرياً رائع
المظهر ومتين البنيان .
المركب / الرحلة / الطريق / السماء
تسابيح / إضاءات / نجوم
وجه / باسم / ندى
يستمر / يدوم / يضم
عشق / ملامح / رسم / أغنية
مساء / الظلام / العين
البحر / الصباح / القلادة
وتسيطر ملامح الحلم على وجدان الشاعر وعلى عقله وتسرقه من اهتماماته الخاصة ومن كل
شيء حوله .
أنا ساقني الدرب الطويل
عاص التفات النظرة الحرى بأهداب الرواء
وتطاير التفكير
نستفيق بقدرة أخرى
ونرجع للوراء
ها هو الشاعر يؤكد على صدق كلامنا باستخدام تعبير شمولي يحتوي على المعنى وضده في
عين اللحظة ، " فالرجوع للوراء " في هذا المكان لا يعني التقهقر أو الانتكاسة بل
على العكس من ذلك فإنه يحمل معنى التقدم للأمام والنجاح في تحقيق الحلم ، فهذا
الرجوع يأتي بعد " الإفاقة " وبعد " التفكير " أي يأتي بعد حسابات دقيقة لكيفية
تحقيق الحلم / المستقبل ، والوصول إلى نتيجة محددة وهي إعادة إحياء الزمن الماضي أو
زرع خصائصه وصفاته في الزمن المستقبل .
وتشير معطيات القصيدة على المستوى الداخلي أو الخارجي إلى انتماء الشاعر الشديد إلى
بيئته وإلى ارتباطه الوثيق بمجتمعه ومعتقداته وتاريخه ، ويبدو هذا بوضوح تام في
العديد من التعبيرات أو الألفاظ مثل تسابيح / الإضاءات / المركب / الرحلة / السماء
/ البقايا / ...... الخ .
وقبل أن يختتم الشاعر قصيدته يوضح أن هذا الحلم / الزمن الطائر هو كل ما يشغله وهو
الحد الفاصل بين الموت أو الحياة أو بين الحياة بمعناها الحقيقي وبين الحياة
بمعناها الزائف / الضياع :
وجه على الزمن المبرقع
نقشه ردّ البصر
وتمددت في ضفتيه
متاهة اليوم الطليق
الهوامش :
1) جون كوين ـ ترجمة د. أحمد درويش ـ بناء لغة الشعر ـ سلسلة كتابات نقدية ، العدد
3 ، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ، 16 شارع أمين شامي ـ القصر العيني ـ
القاهرة ـ مصر .
2) رينيه ويليك ـ ترجمة د. محمد عصفور ـ مفاهيم نقدية ـ سلسلة عالم المعرفة ـ
المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ الصفاة ـ ص0ب / 23996 ، فبراير
1987م .
3) ديوان " أولى تجاوزات ... لا ـ شعر / محمد عبدالرحمن الحفظي ، مطابع دار البلاد
ـ جدة ـ المملكة العربية السعودية ـ الطبعة الأولى ، 1987م .