" الشعر المهموس "
بقلم الأستاذ / ممدوح
القديري
الشاعر محمد عبدالرحمن الحفظي ..
ينطبق على شعره قول الأستاذ / محمد مندور بأن الشعر المهموس أكثر قدرة على التأثير
في الوجدان ، بعكس الشعر الخطابي الذي يداري عجزه الشعري بعلو الصوت والضجيج وطنطنة
القوافي . فإن الشعر لا ينبت في الضجيج ولا ينمو في الصخب والشعر الذي يستدر
التصفيق ليس شعراً .
وفي ديوانه بعنوان " لحظة يا حلم " تشعر وأنت تقرأه بأنه يهمس لك وحدك بشيء من
الخصوصية برقة وعذوبة ، يتغنى فيها بحظ عاثر وهو يتألم كعاشق يخفق قلبه بالحب رغم
الإحباط والغرق في لجج الحرمان واليأس ، يجمع بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة (
الحر ) في أصالة وحداثة تربط الماضي والحاضر بجيد الصنعة ورقة الإحساس وجزالة
المعنى في موسيقى خافتة حين يقول في قصيدة " الاختفــاء وراء الحلم " من الشعر
العمودي :
ويأتي الليل تحمله من الأحزان أشتات
حكايات وصوت الحلم ترويه حكايات
أما في قصيدة الجذور المحلقة وهي من شعر التفعيلة يقول :
وجع ينضو ، وجدار محترق الأجزاء ، وأجنحة تتفكك في صدر التحليق .
وفي أسطورة الحلم الجميل يقول : إن فوق الجبين حلم تندى ، يلتقي لمسة الربيع خريفا
، عبثت بي الظنون واكتأبَ الليل ..
إن الشاعر في تلك القصائد يعكس مشاعر الألم تنساب كلماته وعباراته بجمال يحملك إلى
خيالات وأحلام يمتزج فيها الشقاء بطلاوة الحديث عن الحب والأمل ، يشدك شعره لتقرأه
مرة أخرى كلما اشتقت إلى الإبحار في عالم شجي تطرب له النفس لما . يسكن في أعماقها
في عالم لا يلتفت إلى المظلومين الساهرين المهمومين بحبهم وعذاباتهم بشيء من سحر
الصياغة بكلمات تضئ ظلمات بحر تحمل أمواجه آلام الآخرين في لحظات النزيف الذي لا
ينضب .
صحيفة المدينة ربيع الآخر سنة 1417هـ
أما في مجموعته الشعرية بعنوان " غبار الجسد الباقي " تمور بفيض الإحساس المتعمق في
نفس الشاعر ونلحظ ذلك في قصيدة بعنوان " مصب الوتر الأخير " فيقول :
ظمأ الماء نقطة
تنثل الكف والرؤى
والتجاويف والحدق ..
والتناهي .. بغير أن يُضفر الليل بغتة
لتقاسيم لم تقف .
ينبع شعره من واقعه الأليم بشعاع مرتجف من أمل يكمن خلف الضباب الداكن وعندما نقرأ
ذلك الشعر نجد بعض النشوة حين يلمس أوتاراً ناعسة في الأعماق فتنبه إلى حين ذلك
الوجدان على صعيديه الفردي والجمعي ـ له نظرة متأسية إلى الحياة بهمومها التي تختفي
خلف صياغة شعرية تُنسي القارئ تلك الآلام الساكنة في الأعماق لبعض الوقت .
صحيفة المدينة العدد 12204 ربيع الآخر سنة 1417هـ 8 سبتمبر 1996م