البحث عن المعنى الأول وإلغاء يقين السؤال
قراءة في اشتعال الرمق لـ " محمد الحفظي "
بقلم الأستاذ/ عبدالله السمطي
في قصيدتين من ديوان " اشتعال الرمق" للشاعر محمد عبدالرحمن الحفظي ـ نادي أبها الأدبي 1998م ـ الأولى بعنوان " المشيب " والثانية بعنوان : "هتاف " يتولد سياق نصي يمكن تسميته بـ " النص / الظل " .
فالقصيدتان من بحر الكامل ، وهما فائيتان . أي إنهما من بحر واحد وقافية واحدة . يقول في مطلع الأولى :
سقط المشيبُ على الثرى أسفا
لم يبق إلا الدمع والشظفا
ويقول في مطلع الثانية :
هل تلمسين حطامي الشغفا
أو تعصرين بقلبي الأسفا
القصيدتان متطابقتان بحرا وقافية ، وأداء أسلوبياً ، تختلفان فحسب في أن الأولى طويلة ( 41 بيتاً ) والثانية قصيرة ( 7 أبيات ) . إن مسألة وجود قصيدتين بهذا التشابه في ديوان واحد تثير نقطة جوهرية في العمق وهي : إن النص الشعري التقليدي يمكن استنساخه بسهولة ، ويمكن تكراره بصيغه وتجربته وحالته وتراكيبه ، بحيث يصبح التعبير جاهزاً ، والتجربة مطروحة في الطريق .
كما تثير تساؤلات حول : لماذا تكررت القصيدتان هكذا ؟ . هل الثانية إكمال للأولى ، أم إنها قدت منها ؟ . لأن شهوة الكتابة وتجربتها لم تكتمل فأعاد الشاعر صياغتها من جديد ؟ .
الحفظي شاعر يؤدي قصيدته البيتية بإتقان ، وديوانه يحتوي على 23 قصيدة عمودية من جملة 29 قصيدة . ومن يتأمل في القصائد العمودية بوجه عام يجد أنها ترتكز على جملة من النقاط التي تمثل الأركان الجمالية / الدلالية لدى الشاعر تتمثل في :
ـ الاهتمام بجمالية المعنى ، وحشد أقصى الطاقات الدلالية التي تعبر عنه باستثمار آليات الشعر التقليدي التي توصل إلى المعنى بجلاء ، ونصاعة بلاغية .
ـ استثمار المعنى في إقامة البيت الشعري ، بمعنى أن كل العبارات تندفع لتولد معنى مباشراً ، بالدلالات الأولى للألفاظ ، ولا مجال إلا الصور البسيطة .
ـ الاتكاء على ضمير المتكلم (أنا ) وما يؤول إلى الذات الشاعرة الفردية كياء المتكلم ، وهمزة المضارعة ، أو تاء الفاعل في تشكيل جدل قصائد الديوان ، والاكتفاء بالصوت الأحادي للشاعر .
ـ استخدام التقنيات البلاغية الموروثة بإتقان ، دون السعي إلى اكتشاف عناصر بلاغية جديدة .
ـ إيثار البنية الغنائية التي تمنحها القصيدة البيتية ، وعدم إيلاء الأصوات الإنسانية المختلفة قسطاً من التجريب والحوار ، والاكتفاء بتوجيه الخطاب إلى الأنثى حيناً ، أو إلى الذات الشاعرة حيناً آخر .
بيد أن ذلك كله لا يعني أن الحفظي لا يمتلك مغامرة النص ، بل يعني أنه يحافظ على سماته الأسلوبية ضمن الشعرية الموروثة ، وجمالياتها المعهودة . فشعر الحفظي غنائي تطريبي ، يجتذب الآهة من أذن سامعه ، وهو بالتالي يحقق وجهاً من وجوه الشعر الشفاهي الإنشادي :
قست عليّ لحاظي فانطويت كمن
يختاره الموت من بين الجموع غدا
وليت ينفع ألا أرتدي زمني
وليت أهرب حتى لا أرى أحدا
وهناك نوع من الحكمة الشعرية يتوامض في أبيات الحفظي وقصائده ، وهنا يتسع المعنى قليلاً ليفارق صوت الشاعر ويبقى صوت الإنسان :
وما الطريق سوى الآلام يدفعها
جرح يخاطب في صحرائه شبحا
ويتكون أداء البنية العبارية لدى الحفظي من الصوت الدلالي الأول وعلاقته بلفظ آخر يؤدي المعنـى تمامــاً ، فالصوت يصدح ، والدموع تسفح ، والسنابل تقطف ، والقمر يضيء ... الخ .
لا يستعمل الشاعر الإحالات الاستعارية أو يؤلف بين المفردات المتباعدة المتضادة فيصبح الصوت يكتب ، و الدموع تزرع البرق مثلاً .
الشعر يهتم في جوهره بإقامة العلاقات المتنافرة البعيدة ، وبتهجين الدوال مما يخلق صوراً طريفة غير متكررة .
وهو ما يوقن به الشاعر ولكن لا ينفذه .
إن عكوف الحفظي على القصيدة البيتية حدا به إلى أن يقدم قصيدة متميزة المبنى ـ التقليدي ـ والمعنى .
بيد أن هذا التميز ينتج عبر ما أنتج من قبل . والتفات الشاعر إلى جماليات القصيدة التفعيلية جعله يصغي للأصوات الدرامية الأخرى . لكن هذا الإصغاء الذي تجلى في القصيدة الأولى من الديوان : " البدء نحو الآخر " تسللت إليه الطريقة قصيدة تفعيلية إلا أنها أصابها فيروس الإنشادية والبحث عن المعنى ، لا عن التركيب التصويري الذي يترك مجالاً للذهنية القارئة والدخول في امتدادات المعنى العميقة .
الحفظي شاعر غنائي يسترسل كثيراً ، ويشبع رغبات الذهنية الشفاهية التي يخدرها الإيقاع ، وتسكنها القوافي المتكررة ، والمعاني الأول التي لا يخايلها يقين السؤال .
هكذا تصبح النصوص مجرد ظلال لبعضها بعضاً ، لأنه لا اختلاف جمالي فيما بينها ، ولا تصبح كل قصيدة مستقلة بتجربتها وحالتها الدلالية المتميزة .