أسطورة الحلم الجميل
دراسة في ديوان " لحظة .. يا حلم "
للشاعر / محمد بن عبدالرحمن الحفظي
الدكتور/ السعيد الورقي
يُطالعنا وجه الإنسان في الديوان الأول للشاعر السعودي الشاب : محمد عبدالرحمن
الحفظي " لحظة .. يا حلم " حزيناً مهموماً متعباً ، أنهكته سنوات الرغبة ، فشاخت
مشاعره منذ أن ولد .
ففي عالم غارق في الحزن ، مكوناته لليل تحمله الأحزان والورد المجهد الذي يقتات من
الأجداب ، والشوق الباكي في دم الشفق ، والأحلام المبعثرة ، وموعد الإدراك وقد توقف
حتى عن أن يدرك الصمت ، والقلب الذي يعاني الجهد والكبت والذبح بطول الدرب :
ويأتي الليل.. تحملـــــــهُ من الأحزان أشتــات
حكايات .. وصوت الحلم ترويه حكايـــــــــــات
وورد مجهد حولـــــــــي من الأجداب يقتــــات
وألوان على الأنــــــــواء تسري نحوها الــذات
( الاختفاء وراء الحلم )
في هذا العالم لا تجد النفس ما تغني من أجله سوى الأمواج المعادية التي تزيد من
إحساس الشاعر بمأساته ، فيرتجف هلعاً على الذل الذي ولى في زمن يصرع القلب ، ويطفئ
الحلم :
ونفسي مركب غـنـــــى لأمواج تعاديـــــــــــــه
وألوان الصفا تنســـاق في أعماق واديــــــــــه
وهذي معجزات الحلم اعتام بتمويـــــــــــــه
أخاف على الذي ولــى إلى الأسفار موجوعـــاً
أخاف عليه من زمـــــن يحيل القلب مصروعا
( الاختفاء وراء الحلم )
فالعالم كما تراه الذات هنا مهموم ومثقل بأسباب الحزن ، والذات ضعيفة مهمومة ،
وماذا يملك المهموم للمهموم سوى أغنيات الحزن الباكية الشاكية . فالدمعة بنت
الأحزان ، والحــزن لا يلـد سوى حزن مثله :
ومن هذا البكاء المر نحمل فيه آمالا
..........
هنالك يا نديم اللحن سوف تعيش
وكل الحزن مأواكا
وفي شفتيه نلقاكا
( ويتوقف الزمن )
وعلى هذا النحو تتحرك قصائد الشاعر بكائيات حزينة مفجوعة قد تستشرف الأمل في عيون
تخزن الحب في أجفانها :
ألقى على الأجفان فاتنتــي وجدائل الإيناس تحرسنـــا
نروى من الإقبال في أمـــــــل أحلى حكايات بغربتنــــــــا
نرضى بعمر في حشاشتـــــه حب . وكل الحب في دمنــــا
غنت لنا الأضواء باسمـــــــة والمستحيل يظل يجهلنــــــا
ما أجمل التصوير وهو علـى قسمات هذا الحلم يرسمنا
( انتقالة ، على شواطئ الاستغراب )
ولكنها لا تلبث أن تدرك أن هذا الأمل ـ الذي هو انتقاله على شواطئ الاستغراب ـ أمل
واهم ، وأنه ثمرة سرابية المذاق . فتعود من جديد إلى انطوائيتها الباكية الشاكية .
تجتر آلامها وتتحسر على آمالها :
وبكت في دمائه فورة الحس مولدا
والغد المشرق الجبين هنا راحل غدا
والحكايا .. قصاصة تنزف الموت أسودا
يقصد الشط عله يلتقيه توددا
ويرى موسم الضياع بعينيه أزبدا
( تمتمات .. ما زالت تحكى )
* * *
والحزن في شعر محمد عبدالرحمن الحفظي ، حزن رومانسي تتردد فيه أصداء الرومانسيين
العرب وخاصة الشابي ومحمود حسن إسماعيل .
وهو حزن أساسه عدم التوافق بين الذات والخارج ، توافقاً يحقق للذات توازنها النفسي
، لذلك فهو يختلف كثيراً عن الحزن في الشعر العربي المعاصر الذي يصدر عن بواعث
ميتافيزيقية في الغالب ، إذ يظل الحزن الرومانسي حزناً يتشوف الأمل ويبحث عن الجنة
المفقودة ، ويتعزى بعوالم البراءة في الطبيعة والطفولة .
هكذا ينتشر المعجم الرومانسي في ديوان الحفظي بألفاظه وصوره وأساليبه ، فيرى في
قصيدته " أسطورة الحلم الجميل " على سبيل المثال : " الرياح التي تعربد ، والفؤاد
الذي استحال نزيفاً ، والحلم الذي يلتقي لمسة الربيع خريفاً " ونرى " دمعة الزمان "
والنداء الظامئ والزورق التائه والظنون العابثة واكتئاب الليالي والهم المستيقظ في
جنانه " .
يقول في إحدى صور القصيدة :
الرؤى سافرت إلى موعد النسيــــــان
غابت وراء ضوء الأصيــــــــــــــل
وتلاشى الحلم الجميل وأضحـــــــى
مستحيلاً في عالم المستحيـــــل
حملته الرياح يمرح فـــــــــي الأرض
ويبكي أسطورة من رحيـــــــــــل
من بقايا روافد وضيـــــــــــــــــــــــــاء
واخضرار وهمسة وذهــــــــــــول
* * *
القصيدة الشعرية في ديوان " لحظة .. يا حلم " في أغلبها ، قصيدة غنائية مفتوحة ،
تتحدث عن تجارب الذات وهمومها وعن متاعبها وأشواقها . وتتميز القصيدة الغنائية في
الديوان هنا بتعميق الإحساس بالتجربة عن طريق التكرار والإلحاح حول المشاعر بالصور
المتراكمة ، وإن أدى هذا في النهاية إلى تسطيح المشاعر ، فلا تتجاوز حدود البعد
الواحد ، وإن قسم الشاعر بعض قصائده إلى مقطوعات متتالية على نحو ما نرى في قصيدته
سؤال . فكل مقطوعة من المقطوعات الأربـع في القصيدة ـ في الواقع ـ تكرار تأكيدي
للدفعة الشعورية التي بدأت مع المقطوعة الأولى .
على أن الغنائية ليست هي السمة الوحيدة في الديوان الأول لمحمد الحفظي ، إذ نجد
الشاعر أحياناً يزاوج بين هذه الغنائية وبين شكل بسيط من أشكال الدرامية التي تحرك
المشاعر في اتجاه التطور والنمو ،كما نرى في قصائد : " الجذور المحلقة " و " الحطام
" و " اختار لحظتي " و " يتوقف الزمن " و " صور تسألني " و " انتقالة على شواطئ
الاستغراب " و " حمامة الأصيل " .
وفي هذه القصائد يقل التركيز على الصور المهوّمة ، التي تسبح فيها الألفاظ
والتراكيب في امتداد أفقي ، ويصبح الاهتمام الأكثر بالصيغ ذات الدلالة الدرامية ،
وهي صيغ الحدث كالفعل والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول ، وتتحول الصور إلى مصاحبات
صوتية ، ومجموعات لفظية مصاحبة للحدث :
وتضيع كل الذكريات
ما بين حشرجة الأوان إلى انتهاء الأمنيات
يا ليت أحرفنا القديمة ما بكت
يا ليتها عاشت على أفراحها
وعلى المعاني
والتفاؤل
والبقايا الباسمات
(صور تسألني )
فهنا كما هو ملحوظ ـ قلت في الصور والمفردات الرومانسيــة إلـى حد ما وأصبح
الاعتماد الأكثر على تحريك " الضياع " من خلال المجموعات اللفظية المصاحبة :
الذكريات ـ الحشرجة ـ الأمنيات ـ الأحرف القديمة ـ بكت " .
ويقابل هذا الحدث في الناحية الأخرى بطرق الصـراع الدرامــي . حدث " عاشت "
ومصاحباته : أفراح ـ معاني ـ تفاؤل ـ باسمات .
وتتحرك الشحنة الانفعالية ـ هنا ـ من خلال المقابلة بين طرفي الحدث الدرامي حيث
يؤدي الصراع في النهاية إلى تكثيف المعنى ونموه شعورياً في خط رأسي .
* * *
ديوان " لحظة يا حلم " هو الديوان الأول للشاعر السعودي الشـــاب محمد عبدالرحمن
الحفظي .
وعلى الرغم من أنه الديوان الأول للشاعر ، إلا أنه مع هذا عمل جيد ، أكثر من أن
يكون بداية .
والديوان واحد من الأعمال المشرفة الكثيرة ، التي قام بنشرها نادي أبها الأدبي
بالمملكة العربية السعودية 1404هـ ، ضمن خطته الطموحة لنشر الأدب السعودي ، وخاصة
إنتاج الشبان . وهي مساهمة تحمد له وتذكر في التاريخ للحركة الثقافية المعاصرة في
المملكة ، وقد كان للشاعر الحفظي بعد هذا الديوان عدة دواوين ممتازة ، انطلق فيها
من بداية الخط الفني المستقيم الذي اختاره لنفسه في "لحظة يا حلم " .