|
البَـدْءُ .. نَحو الآخِر
محمد عبدالرحمن الحفظي | ||
|
أَقْتَفِي آخرَ الحُـــــلْمِ .. أصدحُ مِن آخرِ الرُّوحِ .. ياويحَ هذا الــطَّريق كيف غَادَرَنِي دُون أنْ يَسِمَ الوقتَ ؟؟ أويَأْنَسَ الانْتِظَار . ؟؟ ..... كنتُ أشْدُو على رَبْوةٍ في هَجِيعِ السَّمَرْ نَازَعَتْني لَيَالِيَّ أحلى انْتِقَاءَاتِها شَارَكَتْنِي من الرُّوحِ موّالها .. واخْتَفَتْ كيفَ قَاطَعَنِي البَدْءُ .. ثمَّ ارتَمَى في الرَّحِيل ؟؟ ..... آهِ مِن وَقْعِ حَظِّي الذي لايَلُوبُ على دَربِهِ دُوْنَ خَفْقٍ حَزِينْ . دُوْنَ شَدْوٍ يُقَطِّعُ أَوصَالَهُ بالنِّداء . دون رَتْمٍ جريحٍ يموت . دون سَقْفٍ يُظَـلّلُ مأْسَاتِهِ في الهَجِير . آهِ .. ما عُدتُ أَقْوَى على البَوْحِ .. ماعُدتُ أَقْوَى على مُجْرَيَاتِ الطَّريق . .. صِرْتُ بَابَ الـمَسَاءِ الـمَشُـوْقِ بِإِيْغَالِهِ في الهُروب . صرتُ أَمْسَ الخَيَالِ الذي رَدَّ وَقْدَ الّلهِيب .. وما عُدتُ أقْوَى على الخوفِ .. لو نَازَعَ النَّهْشَ في داخِلي مِن قَدِيمِ البُكاءِ .. وما عُدتُ أقوَى على نُقْطَةِ الحِبْـرِ تَشْرِي زَوَابِعَ آلامِهَا الـمُسْتَقَاةِ مِنَ الحَرْفِ .. لازَمَهَا في سِبَاقِ اللّهَاثِ .. وفَارَقَها في جَبينِ الألمْ . ..... مَالِهذا التَّـحَــوُّلِ .. قَارَبَ أنْ يُكْمِلَ الإلْتِفَافَ على جَسَدِي النَّاحِلِ الـمُسْتَغِيثِ .. وقَارَبَ أن يَنبُشَ البَوْحَ في الأَوْرِدَةْ . ما تَوَكّأ إلا على شَهْقَةِ الفَزَعِ الّلايَبِين .. وما ارتاحَ إلا على طَعْنِ خنْجرِهِ في الرّحِيقِ الأخِيرْ . .. لَيْتَهُ قَصَّنِي لوْ أَقُولُ مُنَاجَاةَ مَأسَاتِيَ النَّاهِضَةْ لَيْتَهُ فَكَّ صَوتِيْ لَيَصْدَحَ بِالآهِ في زمنِ الأسئلةْ لَيْتَهُ سَامَحَ الدَّمعَ لو يَقْتَفِي ظِلَّـهُ مِن سِنينَ وآخِرَ لَوْعَاتِه في الصـَّــهيلْ . بَثَّنِي كانْتِثَارِ الصَّحَارَى .. وَعَفَّرَ آلامَ وجْهِيْ بِـحَرِّ الرِّمالِ .. ومِنْ ثَمَّ أَوْدَعَنِي لَـهَبَ الشَّمسِ .. واتَّـكأَ الوقتُ .. يَنْسَى احْتِرَاقِيْ الطَّويلْ ..... غَادَرَتْنِـي التَّآويْلُ مُنْذُ التِصَاقِ النَّظَرْ . كيفَ أنْجُو إلى بَارِقٍ لم يَدُمْ في هَدِيرِ السَّماءِ .. ؟؟ ولمْ يَلْتَحِفْ غيرَ وَأْدِ الحُطَامِ منذُ أَوْرَقْتُ مِنْ بِذرَةٍ نَامَ خَفّاقُها .. فاسْـتَدَنْتُ الرَّحِيقَ الذي شَاقَنِي للحياةْ . كنتُ وَصْلاً مِن الوَعْدِ لايَنْتَهِي أَبَداً .. فَاقَ كلَّ احْتِمَالاتِ بَيْتٍ قَديمٍ شَدَا بالنَّزِيف .. : (( إذا متُّ قبلَ الموت أَحْيَانِيَ الرَّجَا فَكَم مَرّةٍ قدْ متُّ ثم حَيِيْتُ )) لمْ أَنَـمْ مَرَّةً دُونَ وَشْمِ الخَيَال . لَمْ أُسَابِقْ تَعَارِيجَ خَطْوِ الوُقوعِ .. ولمْ أَقتَبِسْ زَفْرَةَ الرَّاكِضِينَ إلى الأرضِ .. كنتُ أنَا .. كُتْلةً مِن رَمَادِ الوُصُولِ .. وبوّابةً لايَنَامُ لها رَاعِدٌ بالدِّماء . بَلْ حَرِيقاً مِنَ الرَّكْضِ نحو السَّراب . أشْتَرِي سَـهَدَ الخَوفِ مِن بُرْدِهِ .. أحْتَوِي ثَلْجَهُ الـمُـنْتَفِي في ثَنَايَاهُ بِالوَقْدِ في جَانبٍ مِن دَمِيْ إلى جَانبٍ آخَرٍ يَسْتَغِيثْ . ..... آنَ أَنْ تُوقِنَ العَينُ أنَّ الرِّدَاءَ اكْتَسَى آخَرَاً .. آنَ للسّفَرِ الـمُحْتَسِي رُوْحَهُ أنْ يَسِيرَ .. وآنَ لِرُوحِي الصُّعودْ . كَفَّنَ الغَيثُ سَطْراً مَـحَاهُ السُّطُوعٌ احْتِمَالاً .. فَسَـاقَاهُ إِيْمَاءَةَ الانْتِظَارِ .. لِـمَنْ تَنْبَـرِي حَشْرَجَاتُ النِّداءِ .. أَمِنْ مُستَجِيبٍ .. ؟؟ أُفُولُ السَّماءِ كَمَا كان غَيْثاً يَطَـالُ مَسَافاتِ هَذِيْ السُّطُورِ .. فَكَمْ كُنْتُ أَخْتَلِجُ الامتِثَالَ .. ؟ وَكَمْ كُنتُ أُصْغِي لِغَيِر انْكِسَارٍ .. ؟ لِغَيرِ الذي بَثَّني جرحَهُ .. تَركْتُ من الشَّوقِ في بُرْدِهِ الآنَ شَرْخَ الـهَوَانِ .. ومَوتاً يجيىءُ .. كَأنَّ السّقَامَ على نَبْـرَةِ الليلِ .. جرحٌ جديدٌ .. وَهَمٌّ جديد ٌ .. أَمَا آنَ للخَفْقِ حتى النَّجَاء .. فَكُلُّ المسافاتِ أقْربُ حتى مِن النَّفْسِ .. في هَمْهَمَاتِ الأصِيلِ . ..... عَدَوتُ ِلأَبْذُرَ صَوتِيْ البَعيدَ .. أَخَالُ احْتِشَاداتِهِ لن تَغِيبَ .. فَـلَمْ يَبْقَ إلاّهُ .. يَحْمِي بَقَايَايَ مِن نَثْرِهَا في رِمَالِ الصَّخَبْ . ولمْ يَبْقَ إلا صَهِيل الحُروفِ .. تُعَاوِدُ صَدْعاً يَهُزُّ النَّقاءَ تَفِيْ بالذي لن يَعُودَ ولو كان صَمتاً قَصِيّـاً .. تَحَدَّرَ بالصّبرِ مِن ألْفِ عام . ..... أَعُودُ إلى البَحْرِ .. عَلَّ الهدِيرَ بِأمْوَاجهِ يَذْكُرُ القَابِعِين على رَمْلِهِ لِيُطِيلَ النّقوشَ التي تحتَوِي موطنَ الذِّكرياتْ . عَلَّهُ يَسألُ الليلَ عن أحْرُفٍ صَفَّها السَّمَرُ السَّاحِليُّ .. وعن حُرْقَةٍ مِن جَوَى الرَّاحِلينَ . .. لو يُجَمِّعُ إنْصَافَهُ حيث يَرعَى البقايا .. ويَسْألُ عن رُوْحِ مَن فَتَّهُمْ زَمَنُ الانْتِهَاء . يَنْسجُ الّلحنَ من حُزْنِهِم سُنْدُساً .. ومِنْ شَوْقِهِم أُنْمُلاتٍ تُعيْدُ الكِتَابةَ في رَمْلِهِ من جَدِيدْ . ..... أعُودُ إلى القَمَرِ الـمُحْتَفِي باكْتِمَالِ الضِّيَاءِ .. وفي صَفْوِ لَيْلٍ يُشِعُّ الرُّخَامَ .. يُحَاكِيْ انْتِظَاراً من الزَّمنِ القَادِمِ الـمُسْتَحِيلِ . .. كَمَا كُنْتَ .. لمْ تُخْلِف الوَعْدَ شَهْراً أتَيْتَ ضِيَاءً .. وَصَمْتاً .. وذِكْرَى أتَيْتَ لِتَرْحَلَ .. لنْ تَسْتَرِيحَ .. فَأَنْتَ الوَفَاءُ وأَنْتَ الوَدَاعُ . وقَلبِي إلى قَادِمٍ في الشُّهُورِ .. سَيَحْمِلُ تِذْكَارَهُ كالصَّفَاءِ .. ويَنْبُشُ مِن نَزْفِهِ ما يَجُود . ..... أَعُودُ إلى الشِّعْــرِ .. هل يَخْتَفِي في الضُّلُوعِ الكَسِيرةِ .. ؟؟ أَمْ يَرتَمِي في احتِضَارِ الكَلامِ . ؟؟ وَعَمَّ أَبُوحُ .. ؟؟ فَلِلشِّعْرِ أبْوَابُهُ الـمُشْرَعَةْ . ولِلشِّعْرِ لَيلٌ يُضِيىءُ الحُرُوفَ .. وليسَ مِنَ النَّبْعِ إلا البُكاءَ .. فَكَمْ يَنْبُضُ الشِّعْرُ بالاحْتِرَاقِ .. ؟؟ يُكمِّـمُ مَوَّالَهُ بالصُّعُودِ إلى شَاطىءٍ لاتَراهُ العيونُ .. فَيَكْتُبُ جرْحاً مِن الارْتِمَاءِ .. يُسَافِرُ في كلِّ صوتٍ بعيدٍ .. يَشُجُّ البُكاءَ .. وَيَفْرِي أصابِعَهُ في الجَوَى .. ويَأتِي كَبِيراً كَصَمْتِ الرّجاءِ .. إلى آَخِرِ اللّونِ حتى يَرَاهُ .. لِيَسْكُبَ إسْرَاجَهُ في الظَّلامِ . ..... كأنَّ الخَيَالَ قريبُ اللّحَاقِ .. كأنَّ السُّـرَى أَوْبَةٌ لاتَحِينُ .. فَلَنْ يَسْتَغِيثَ مِنَ الانْشِطَارِ .. ولن أحْتَوِيْ غَيرَهُ من شُعُورٍ . ..... أَعُوْدُ إلى الذَّكْرَيَاتِ .. الهَوَى .. إلى البَدْءِ .. حيثُ احْتَضَنْتُ اللِّقَاءَ .. ومَرَّتْ سِنينٌ تَزِيْدُ التَّعَلُّقَ .. تَمْضِي إلى الوَلَـهِ الـمُسْـتَديمِ .. تُسَجِّلُ كُلَّ الثَّوانَيْ الحُرُوف .. لأَغْلَى الوُجُوهِ .. وأحلى النَّغَمْ . وتَكْتُبُ هَجْعَ الشُّعُورِ النَّقِيّ .. وبِيْضَ اللِّحَاظِ . ..... ويَمْضِي الزَّمَانُ إلى سَابِعِ الحلمِ .. يَذبَحُ ذَاكَ النَّهَارَ الجميلَ .. ويَقْطَعُ أَوْصَالَهُ بالـمُضِـيِّ إلى الوَعْدِ في شَفَقٍ يَسْتَغِيثُ .. يَمُوتُ البَقَاءُ اللّذيذُ الحِوارِ .. يَمُوتُ بِأَنْدِر مَا قَدْ يَكُونُ .. يُخَيِّمُ صَمْتُ الرَّحِيلِ القَصِـيِّ بِذَيلِ الـمَسَاءِ .. ويَغْتَالُ شَمْـعَتَهُ الاحتِشَادُ . سِتَارُ الهَوَى قَابِعٌ في الفُؤادِ .. فلنْ يَسْتَرِيحَ .. سَيَلْعَقُ حَوْضَ الدِّمَاءِ الغَزِيرِ .. سيَحْتَرِقُ الآنَ في وَسَطِ الثَّلجِ مِنْ غَدْرِ بوّابَةٍ لاتَلِينُ .. ومِن صَوتِ مُسْـتَدْرَكٍ لن يَعُودَ . ..... مَزِيدٌ مِن الطَّعْنِ يَطوِي الرَّجاءَ .. يَبُثُّ التَّعَـثُّرَ والاندِحَارَ .. يُخَيّمُ خَلْفَ حُدُودِ البَصَـرْ . يَمُدُّ السَّوَادَ إلى دفّةِ الحلمِ .. يَطْوِي الطَّرِيقَ الذي اخْتَارَهُ .. فَهَيْهَاتَ أن تَلتَقِيْ الأُمْنِيَاتُ .. وهَيْهَاتَ أنْ يَلتَقِي من جديدٍ .. .. نَثِيرُ الكلامِ .. وسِرُّ العُيونِ .. فَقَدْ جَاوَزَ الأَلَقُ الانْتِظَارَ .. تَأكَّدَ مِن قَادِمٍ أَسْوَدٍ .. سَيُظْـلِمُ خَيْطُ النَّهَارِ البَرِيء .. يَسُدُّ جَوَى الحلمِ كي لايَعُودَ .. سَيَبْكِي مِن القَيْدِ في حُبِّهِ .. ويَبْكِي مِن البَشَرِ الظَّالِـمِين . | ||